فخر الدين الرازي
179
تفسير الرازي
المسألة الأولى : اعلم أن التبتل إليه لا يحصل إلا بعد حصول المحبة ، والمحبة لا تليق إلا بالله تعالى ، وذلك لأن سبب المحبة إما الكمال وإما التكميل ، أما الكمال فلأن الكمال محبوب لذاته إذ من المعلوم أنه يمتنع أن يكون كل شيء إنما كان محبوباً لأجل شيء آخر ، وإلا لزم التسلسل ، فإذاً لا بد من الانتهاء إلى ما يكون محبوباً لذاته ، والكمال محبوب لذاته ، فإن من اعتقد أن فلاناً الذي كان قبل هذا بألف سنة كان موصوفاً بعلم أزيد من علم سائر الناس مال طبعه إليه وأحبه شاء أم أبى ، ومن اعتقد في رستم أنه كان موصوفاً بشجاعة زائدة على شجاعة سائر الناس أحبه شاء أم أبى ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته وكمال الكمال لله تعالى ، فالله تعالى محبوب لذاته ، فمن لم يحصل في قلبه محبته كان ذلك لعدم علمه بكماله ، وأما التكميل فهو أن الجواد محبوب والجواد المطلق هو الله تعالى فالمحبوب المطلق هو الله تعالى ، والتبتل المطلق لا يمكن أن يحصل إلا إلى الله تعالى ، لأن الكمال المطلق له والتكميل المطلق منه ، فوجب أن لا يكون التبتل المطلق إلا إليه ، واعلم أن التبتل الحاصل إليه بسبب كونه مبدأ للتكميل مقدم على التبتل الحاصل إليه بسبب كونه كاملاً في ذاته ، لأن الإنسان في مبدأ السير يكون طالباً للحصة فيكون تبتله إلى الله تعالى بسبب كونه مبدأ للتكميل والإحسان ، ثم في آخر السير يترقى عن طلب الحصة كما بينا من أنه يصير طالباً للمعروف لا للعرفان ، فيكون تبتله في هذه الحالة بسبب كونه كاملاً فقوله : * ( رب المشرق والمغرب ) * إشارة إلى الحالة الأولى التي هي أول درجات المتبتلين وقوله : * ( لا إله إلا هو ) * إشارة إلى الحالة الثانية التي هي منتهى درجات المتبتلين ومنتهى أقدام الصديقين ، فسبحان من له تحت كل كلمة سر مخفي ، ثم وراء هاتين الحالتين مقام آخر ، وهو مقام التفويض ، وهو أن يرفع الاختيار من البين ، ويفوض الأمر بالكلية إليه ، فإن أراد الحق به أن يجعله متبتلاً رضي بالتبتل لا من حيث إنه هو ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وإن أراد به عدم التبتل رضي بعدم التبتل لا من حيث إنه عدم التبتيل ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وههنا آخر الدرجات ، وقوله : * ( فاتخذه وكيلاً ) * إشارة إلى هذه الحالة ، فهذا ما جرى به القلم في تفسير في هذه الآية ، وفي الزوايا خبايا ، ومن أسرار هذه الآية بقايا * ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) * ( لقمان : 27 ) . المسألة الثانية : * ( رب ) * فيه قراءتان إحداهما : الرفع ، وفيه وجهان : أحدهما : على المدح ، والتقدير هو رب المشرق ، فيكون خبر مبتدأ محذوف ، كقوله : * ( بشر من ذلكم النار ) * وقوله : * ( متاع قليل ) * ( آل عمران : 197 ) أي تقلبهم متاع قليل والثاني : أن ترفعه بالابتداء ، وخبره الجملة التي هي ، * ( لا إله إلا هو ) * ، والعائد إليه الضمير المنفصل ، والقراءة الثانية : الخفض ، وفيها وجهان : الأول : على البدل * ( من ربك ) * ( المزمل : 8 ) والثاني : قال ابن عباس : على القسم بإضمار حرف القسم كقولك : الله لأفعلن وجوابه : * ( لا إله إلا هو ) * كما تقول والله لا أحد في الدار إلا زيد ، وقرأ ابن عباس * ( رب المشارق والمغارب ) * . أما قوله : * ( فاتخذه وكيلاً ) * فالمعنى أنه لما ثبت أنه لا إله إلا هو لزمك أن تتخذه وكيلاً